المقريزي
295
إمتاع الأسماع
وقد اختلف سلف الأمة وخلفها ، في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه تعالى ليلة الإسراء ، بعد اتفاق جمهور أهل العلم ، على أنه سبحانه وتعالى ، يضح أن يرى ، وقالت المعتزلة والفلاسفة : لا يصح أن يرى ، وقالت الأشاعرة : يصح أن يرى ، واحتج من أثبت الرؤية بقوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ، وبقوله سبحانه : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون ) ، وبقوله تعالى عن موسى عليه السلام : ( قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ) . ثم اختلف القائلون بجواز الرؤية ، فذهب الأكثرون إلى جوازها في الدنيا ، ومنهم من خصها بالآخرة ، وهو مذهب عائشة رضي الله عنها ، ونقل عثمان بن سعيد الدارمي ، إجماع الصحابة رضي الله عنهم على قول عائشة في عدم وقوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، ربه تعالى ليلة الإسراء . [ وقد ] اختلف القائلون بجواز الرؤية ، فقالت [ الكرامية ] والمشبهة - خزاهم الله - : رؤيته كرؤية غيره ، بارتسام ، واتصال ، ومواجهة . وقالت الأشاعرة : معناها أن تحصل لنا حالة في الانكشاف والظهور ، نسبتها إلى ذاته المخصوصة ، كنسبة الحالة المسماة بالإبصار ، والرؤية إلى هذه المرئيات . فإذا تقرر ذلك فنقول : قد اختار إمام الأئمة محمد بن خزيمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه سبحانه ببصره ، وتبعه في ذلك جماعة من المتأخرين ، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه : أنه رآه بفؤاده ، كما مر في رواية مسلم ، وأنكرت عائشة رضي الله عنها رؤية البصر ، وإلى هذا مال جماعات من الأئمة قديما وحديثا ، اعتمادا على حديث أبي ذر واتباعا لقول عائشة رضي الله عنها ، وقالوا : وهذا مشهور عنها ، ولم يعرف لها مخالف من الصحابة ، إلا ما روي عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ، أنه رآه بفؤاده ، ونحن نقول به . وما روي من ذلك من إثبات الرؤية بالبصر ، فلا يصح شئ